أبي حيان التوحيدي

130

المقابسات

جارية على أذلالها وقواعدها في مجاريها ، لا يزل منها شئ إلى غير شكله ، ولا يرتقى إلى ما ليس من خليقته ، وهكذا ما عدا جميع ما حددناه باسمه وحكيناه برسمه ، فلو وقف رجل له من الحزم نصيب ، ومن الفطنة قسط على هذا الملك العظيم ، وعلى هذا الملك الجسيم ، وسدد فكره ، وحدد وهمه ، وصرف ذهنه ، وتصفح حالا حالا ، وحسب شيئا شيئا ، وقدر أمرا أمرا ، وتأمل بابا بابا ، وتخلل شيئا شيئا ، ورفع سجفا سجفا ، وتقفر وجها وجها ، لأمكنه أن يعلم ما يتم له هذا النظر ، ويسره هذا القياس ، ويصدره هذا الحدس ، ويقع عليه هذا الامكان ، لما سيعمله هذا الملك غدا ، أو يسديه بعد غد ، وما يتقدم به إلى شهر ، وما يكاد يكون منه إلى سنة وسنين ، لأنه على الأحوال مليا ( ؟ ) ويجلوها جلوا ، ويقايس بينها قياسا ، ويلتقط من الناس لفظا لفظا ، ولحظا لحظا ، ويقول في بعضها : يترك كذا وكذا ، ويفعل كذا وكذا وهذا يدل على كذا وكذا ، وإنما جرؤ هذه الجرأة على هذا الحكم والبت ، لأنه قد ملك لحظ الملك ولفظه ، وحركته وسكونه ، وتعريضه وتصريحه ، وجده وهزله [ وسجيته وتجعده ، واسترساله ، ووجومه ونشاطه ، وانقباضه وانبساطه ، وغضبه ومرضاته ، ونادره ومعتاده ] وسفره وحضره ، وبشره وقطوبه ، ثم يهجس في نفس هذا الملك يوما هاجس ، ويخطر بباله خاطر ، فيقول : أريد أن أعمل عملا ، وأوثر أثرا ، وأحدث حالا لا يقف عليها أوليائي ، ولا المطيفون بي ، ولا المختصون بقربي . ولا المتعلقون بحبالى ، ولا أحد من أعدائي والمتتبعين لأمرى ، والمحصين لأنفاسى ، والمترقبين لعطاسى ونعاسى ؛ ولا أدرى كيف أقترحه ، لأنى متى تقدمت في ذلك بشيء إلى كل من يلوذ بي ويطيف بناحيتى ، كان الأمر في ذلك نظير جميع أموري ؛ وهذا هو الفساد الذي يلزمني تجنبه ، ويجب على التيقظ فيه . فيقدح له الفكر الثاقب ، والذكاء اللاهب ، أنه ينبغي أن يتأهب للصيد ذات يوم فيتقدم بذلك ويذيعه ويطالب